ســوريــــا .... مـمــانـعــة ضـد مـن؟

بـقـلــم/ الـحـسـيــــن بــشـــوظ كعادتهم دائما، لا يعتلي الطغاة رقاب الخلائق، إلا بالحديد والدم، وكذلك كان شأن أسرة الأسد في أرض سيف الدولة، وميدان ملاحم صلاح الدين الأيوبي. سورية، بنفسجة الشام، وعطارة الحضارة، وتاريخ أمة، وموطن الإنتصارات والملاحم العربية الإسلامية، شاءت لها الأقدار، أن تعيش فصلا من الآلام والمعاناة، تحت حكم ما يسمى، أو ما كان يسمى بحزب البعث الإشتراكي العربي السوري، المستبد بالحكم، والنافي للغير. تهاوت رؤوس الخصوم، بإنقلابات عسكرية قادها حزب البعث في العراق أولا، ثم سوريا ثانيا، التي سيطر عليها حزب البعث السوري، في مارس سنة 1963، بعدها بثلاث سنوات إنقلبت جماعة عسكرية لقبت بإسم الشباطيين، على رفاقهم في البعث، في إنقلابات مضادة، في 23 من شباط سنة 1966، قادها حافظ الأسد ورفيقه صلاح جديد، ولأن قانون الطغاة لا يحفظ الود لا لصديق ولا لقريب، فإن حافظ الأسد أودع رفيقه السجن، ليموت فيه، ويستفرد هو بالحكم، الذي أسس دعائمه على قانون الطوارئ وحبال المشانق، إستمر حكم حافظ الأسد، ل30 سنة، متسترا عن جرائمه في حق الشعب السوري، ثارة بإسم الممانعة والمقاومة، وثارة بإسم أمن سوريا القومي، والحقيقة أن جيوش الأسد، كانت تزأر فقط في أزقة وشوارع سوريا، لإرهاب الناس، وإقتناص كل من تسول له نفسه، أن يحادث خاطرته بالسخط على النظام، ودعم الرضى عن فرعونه الأسد، الذي جعل شعب سوريا شيعا، يقتل بعضهم، ويسجن البعض، ويسوم البعض الآخر سوء العذاب. لم تكن هناك ممانعة تذكر، كانت الدبابات تصوب فوهة نيرانها في إتجاه أجساد السوريين وبيوتهم. حتى في دور العبادة، لم يأمن السوريين بطش هؤلاء الطغاة، يوم أن إقتحم الجيش المسجد العمري في درعة. مجزرة سجن تدمر الصحراوي يوم 27 من يونيو سنة 1980، إثر محاولة فاشلة لإغتيال الأسد الأب، قضى فيها ما يربو على 700 سجين، من الصفحات السوداء في سجل هذا النظام المجرم، الذي أسس لمنهج طائفي يرمي الى ضرب الأسود بالأبيض، والمسلم بالمسيحي، والدرزي بالعلماني، ليستتب له الحكم، ولو على حساب شعب بأكمله، صبيحة عيد من أعياد الفطر المبارك، أبى هذا النظام إلا أن يستقبل العيد بالدم الذي دأب على سفكه، دون أدنى إعتبار لحرمة الأيام والشهور، ودون أي تورع أو إحترام لهذه الروح العزيزة على بارئها، قتل يومها ما يقرب من 70 شخصا في حلب بغير وجه حق. سنة 1980، حاصر حافظ الأسد جسر الشغور في محافظة إدلب، بأنواع العتاد والإسلحة، وقتل أكثر من 100 شخص. كل هذه الجرائم، لم تشفي غليل مصاصي الدماء في النظام السوري، وعاودوا الكرة في مدينة حماة، سنة 1982، حيث قاد رفعت الأسد أخو حافظ الأسد عملية عسكرية ضد المدينة بجيش قوامه 50 الف جندي، هدم خلالها 88 مسجدا، و7 مقابر، و13 حيا سكنيا بالكامل، مما أسفر عن مقتل نحو 40 الف شخص، وتشريد ما يعادل 150 الف، وإعتقال نحو 15 الفا من المواطنين السوريين. شعار البعث الذي لطالما ردده هؤلاء الطغاة البعثيون على مسامع الخلائق، القومية الإشتراكية، أمة عربية ذات رسالة خالدة، وغيرها من أمثال هذه الترهات، لم يبقى منها سوى ذكرى المجازر التي دونها التاريخ في سجلات هؤلاء المجرمين، الذين يهون عليهم قتل الآلاف المؤلفة من البشر، في سبيل سنوات أو عقود قليلة على عرش زائف زائل. بعد ثلاث عقود، تجرع خلالها السوريون الوان الظلم والقتل والتهميش والقمع، وهاهي ذي سورية، يسلمها أسد الى أسد. أمل السوريون خيرا في الشبل الوافد على الحكم، وغضوا الطرف على كل الجرائم التي إقترفها أبوه، وإستبشروا خيرا في أن يكون الخلف المفروض عليهم، خيرا من السلف الملفوض عنهم الى القبر، لكن شيئا من المؤمل لم يتحقق، وظلت سوريا، مخنوقة تحت غمامة الطوارئ والإختطافات، والقتل، والفقر و و..... زاد التهميش، وخنقت الحريات، وتفشى الفقر، وانهار كل أمل في المستقبل المنشود، فأطلق السوريون العنان للهجرة، فغادر كل من أسعفته ضروفه على الهجرة، بعد أن أعوزتهم كل محاولات التأقلم مع واقعهم الأليم. ومع الربيع الساخن والثائر في العالم العربي، كان من المنطقي جدا ألا تكون سوريا إستثناءا بين الدولة التي يحكمها الطغاة، وشبابها متعطش للكرامة والحرية. ولكن مع نظام أوغل في دماء السوريين، ورتوى منها الى حد الإدمان، كان منتظرا عدم التسليم من الجولة الأولى، خاصة وأن بشارا لايملك أن يقدم ولا أن يؤخر، وهو المجلوب الى القصر دون سابق إعداد ليكون خلفية يتم بها جمع السوريين، أما الأسماء التي تحكم سورية فعلا، فهم إرث أبيه حافظ الأسد، زمرة من رجال العسكر، ممن شب على القتل وشاب عليه، من أعلام المجازر التي إقترفت على عهد أبيه. هاهم اليوم يعيدون نفس الأفعال الذميمة، ويبتكرون طرقا خبيثة لقتل السوريين، بإطلاق ذووا السوابق الإجرامية من السجون، كالكلاب المسعورة على الشباب الثائر والمسالم. أما الشبيحة، فقد فوضت لهم كل الصلاحيات في قمع المتظاهرين، سواءا بالضرب أو الإعتقال والتعذيب وحتى القتل، وليس غريبا أن تسمع في مستقبل الأيام أنباءا عن إغتصاب السوريات على يدي هؤلاء الوحوش الآدمية، شأن كتائب القذافي في ليبيا. أما المقابر الجماعية لأفراد الجيش السوري التي يتحدث عنها النظام، بأن عصابات مسلحة هي من قام بذلك، فتلك كذبة لا تنطلي على رضيع، فهؤلاء الشهداء الأحرار من الجيش السوري، سقطوا برصاص النظام، بعد أن رفضوا أن يوجهوا بنتدقهم الى صدور السوريين. ومع هذا المنحى الذي لاينبؤ بقرب الفرج، وإن كان الفرج آت لا محالة، صار لزاما على السوريين أن يستجمعوا أنفاسهم، ويشمروا على سواعدهم، ليحفروا مزيدا من القبور لتستقبل شهداءهم الأبطال، بتلك الأسلحة التي طالما إدعى بشار أنها مصوبة الى إسرائيل، وأن جيشه على خط التماس والمواجهة مع إسرائيل، هاهي ذي أسلحة الممانعة تمزق أجساد الأطفال والشيوخ والنساء، وتصيرها أشلاءا متناثرة. هاهي ذي دولة الممانعة تطارد شعبها من مدينة الى أخرى، وتقصفهم بالطائرات والدبابات. إن التحليلات السياسية للمشهد السوري، يعصب ضبطها في بوثقة واحدة، إنها تقابلات وتقاطعات شتى، لمصالح مختلفة تتنازعها أطراف كثيرة. بحكم الموقع الجغرافي لسوريا، وحدودها الحساسة مع إسرائيل، والقابلة للإنفجار في أي وقت، يتحتم على الولايات المتحدة الأمريكية، التحرك وبسرعة، تحرك لم يحن أوانه بعد، في نظر المحللين، عكس ما يحدث في ليبيا، حيث مارست فيها شركات النفط، والإقتصاد دورا ضاغطا، في سبيل فك الحصارعن النفط، لتفادي إختناق إقتصادي وشيك، قد يقضي على التعافي الهش للإقتصاد العالمي بعد الأزمة. في سوريا تحاول الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها، أن تمسك الصعا من الوسط، حتى لا تتهم بالسكوت على قتل المواطنين السوريين من طرف هذا النظام الغاشم، وهي راعية السلام العالمي، ومن جهة أخرى تتخوف من سقوط بشار الأسد، وقيام دولة ديمقراطية لها سيادتها، ولها وموقفها من الجولان ومن القضية الفلسطينية. كثرا ما أفصح الإسرائيليون أنفهم، أن بشارا أفضل لهم من الديمقراطية والحرية الوشيكة في سوريا. إن أكثر ما تخشاه الولايات المتحدة وتل أبيب، أن تصبح إسرائيل فجأة، بين كفي كماشة، بين نظامين ديمقراطيين، متحررين من كل الإتفاقيات المجحفة في حق الشعوبهما، دولتين لهما كامل السيادة والإستقلالية. عندها ستصبح إسرائيل غير إسرائيل التي عرفها العالم بالإستعلاء والتجبر والقتل. في خضم المصالحة بين فتح وحماس، وسقوط صنم مبارك، وتخفيف الحصار عن غزة بفتح معبر رفح، لن تستصيغ إسرائيل، نشاطا تحرريا مماثلا على حدودها مع الشمال، وإن سارت الأمور نحو الأسوء بالنسبة لإسرائيل، وسقط بشار الأسد، فذلك كابوس لا تتمنى إسرائيل مجرد تخيله، وعليه فربما إتجهت الأمور الى جعل المنطقة تعج بالإنفلات والفوضى والتناحر، بعد أن يتخن النظام السوري في قتل المدنيين، وبالتالي تتدخل الولايات المتحدة بإسم فك النزاع، ونكون بذلك أمام خط أزرق جديد، يتجسس على السوريين، ويحمي إسرائيل، هذا السيناريو لن يتحقق بالسهول التي يراها البعض، خاصة وأن على التخوم دولة بكل ما لكلمة دولة من معنى، إنها تركيا، وإن كانت عضوا في حلف شمال الأطلسي، فهي لا ولن تقبل بإقامة جندي أممي واحد على حدودها، فهي تعلم أن قرارا كهذا، يهدد كيانها، ويقوض كل المنجزات الإقتصادية والعسكرية التي حققتها تركيا خلال العقود الماضية، وبالتالي فإن خطاب أنقرة الأخير، قد لامس هذا الجانب، وكان صريحا بما فيه الكفاية، ليستنتج بشار ومن معه، أن تركيا لن تبقى صامتة إلى أن تحط الولايات المتحدة الأمريكية رحالها على تخوم الحدود، وأن على بشار أن يتخذ خطوات حقيقية، لإنهاء المشكل، هذا المشكل الذي لن ينتهي إلى بمغادرة النظام البعثي للمشهد السياسي السوري، ويترك الشعب يقرر مصيره. نزوح بالآلاف، الى لبنان، الى تركيا، الى العراق، والى قرى نائية أخرى، كأنما التاريخ يعيد نفسه، يوم النكبة والنزوح، قبل 60 عاما، هاهو التاريخ يعيد نفسه، مع مجرم ملتحف بثوب القرابة ، مجرم مقيم وليس وافدا، هكذا هم الطغاة دائما، يلفظهم كل شيئ، حتى الثياب التي على أجسادم، تلعنهم. هاهي ذي دولة الممانعة يلتقط فيها جيش الدفاع الصور على أجساد المدنيين المكبلين، يلتقط فيها الجنود، صور النصر على جثث الشهداء الأحرار. جيش يرى عدوه شبابا يحملون لافتات كتب عليها، حرية حرية، وأخرى كتب عليها سلمية سلمية، فيما العدو الحقيقي يرابط على مرمى حجر من هؤلاء الذين لقبوا أنفسهم بجيش المقاومة والممانعة، ولكن كما يقول المثل، أسـد علي، ونعامة مع غيري. ودمتــــــــــم سالميـــــــــــــــــــــــــن.