الشباب بين إرادتنا وغفلتنا

بين إمكان الاندماج في حقبة ما وطبيعة التكوين الاجتماعي في المجتمع وفي خلية الأسرة ، علاقة وطيدة لا سبيل إلى تقدير وتصور إمكان التغيير لمجرد إرادة التغيير والتطور، والتي توفرت لدى فئة من الشباب "على مراحل وحقب زمنية متفاوتة " حيث يحصل تنوع نمط التكوين التربوي ، العائلي والاسروي، مع التجانس الحاصل في خلية : "المدرسة – الشارع – الأسرة – الحي الذي هو جزء من المحيط " ، هذا التغيير الذي نريده ان يكون ايجابيا لشبابنا ، كثيرا ما يقع بعيدا عن النسق الاجتماعي ، وأحيانا يحصل على أرضية تملؤها علاقة اجتماعية وتقيدها تقاليد وروابط أهلية وثقافة أسرية ، قد تختلف بين أسرة وأخرى ، لذلك نجد أن رعيلا من الشباب يصطدم أحيانا بحقائق موضوعية غير تلك التي تلقاها أو عايشها داخل خلية الأسرة ، وأحيانا خارج نطاق الإرادة والرغبة الأبوية ، لأنه يحصل أن يصادف هذا الشباب بيئة محافظة وعلى مساحة عائلية قريبة ، يحصل أن يصطدم ببيئة قاهرة ومعاكسة ، هذه الظاهرة النمطية التي لا تترجم السلوك العام للشباب داخل أسرته ، إنما أملتها عوامل خارجية أصلها المجتمع الخارجي الثائر بسلوك الشباب بينهم ، التفسخ الأخلاقي الذي أصبح مظهرا من مظاهر البؤس المخيف للكثير من العائلات في تهديده لقيم الأسرة المحافظة لأبنائها ، مما جعل بعض المراحل الشبابية تتميز أخرى عن أخرى ، فمثلا التحول الخطير الذي حصل بين شباب الأمس واليوم ، فالأول مرتبط جدا بالعائلة والأسرة والمدرسة ، وأحيانا بالشارع ، مما جعل شباب هذه المرحلة يتميز بأقصى قيم المحافظة ، حيث لا يستطيع حتى أن ينفرد بقراره ، وهذا مرده الى الانغلاق والاتجاه إلى الآفاق المحدودة في الانفتاح عل العالم الخارجي "قلة وسائل الاتصال مثلا :" الانترنيت - الفضائيات ... " ، بعكس شباب هذه المرحلة رغم طيشه وفورانه وثوراته على القيم الأخلاقية الأسرية بذريعة التحرر من التعبئة الأبوية ، فانه اخترق مجالات كبيرة وعريضة تجده في السياسة وفي الرياضة وفي الفن رغم حداثة سنه ، واستطاع كذلك أن يخلق لنفسه ثقافة اليكترونية على شبكة العنكبوت والتي قد تؤثر على مجموعة من السلوكيات العامة الدينية منها والأخلاقية والاجتماعية ... مما جعل هذا الجيل يعيش مسافة بعيدة عن جيله السابق ، هذا الأخير الذي تدرج فيزيولوجيا وسيكولوجيا واجتماعيا حسب مراحل نمو اسروي وعقلي وجسدي.

أما الرعيل الحالي ، فانه بذكائه لا بنفسيته وسلوكه وقيمه ، خرق المراحل وطوى المسافات على حساب انه قد يفقد يوما ما هويته ، وقد ينسلخ بفعل التأثيرات السالفة الذكر عن ذاته ،وهو ما تراه اليوم ومع كامل الأسف في صفوف كبيرة من الشباب، يتعاطون للمخدرات والأقراص المهلوسة ، مما يجعله يسقط بسهولة في أحضان الرذيلة والأخلاق المفضوحة .

وتساؤلنا الأخير ، أين شبابنا اليوم من شباب الأمس ؟ نخاف ان تضيع منا هويتنا الوطنية وقيمنا الدينية ، ونعيش موجات التفسخ والانحلال الخلقي ، وعلينا أسرة ومدرسة وجمعيات المجتمع المدني ودور الثقافة والشارع أن نسارع الخطى لانقاد ما يمكن اتقاده من هذا الشباب ، حتى لا يضيع منا ونتأسف على غفلتنا ولهثنا وراء المادة وكسب المال في حين الرأسمال البشري سيضيع منا.

الحسن البوعشراوي