العلاقات الاجتماعية بين الأمس واليوم

لا شك أن العمل الاجتماعي والاندماج الاجتماعي غريزة متأصلة في مجتمعنا المغربي ، فعبر مر العصور كان المغاربة يعيشون ويتفاعلون في نسق اجتماعي داخل الأسرة والدوار والقبيلة والمجتمع ، فكانت بهذا النسيج الاجتماعي قوة متلاحمة ينصهر فيها جميع طبقات المجتمع في لحمة واحدة ، سعيها خلق اندماج اجتماعي في العلائق الإنسانية ، وان تصفحنا تاريخ القبائل كل حسب خصوصياتها وحسب نمط عيش أفرادها وموقعها الجغرافي والاستراتيجي ، نجد أن اللحمة التي تجمع وتوحد بينها كانت دائما تتجلى في التضامن الذي يسود في ما يسمى الأعمال الاجتماعية (التويزة .أدوال .توالا .انفلاس . الشرط. السلكة . العادات ذات البعد التضامني ...) فبذلك كتب لتلك العلاقات بين الجماعات وبين الأفراد أن تستمر وتعطي تمارها ونتائجها على مستوى البنية الأسرية والتماسك الذي يربط بين هذا الدوار أو ذاك ، أو بين هذه القبيلة او تلك ، فهذه المميزات ذات البعد الاجتماعي ، هي التي جعلت ذلك الزمان الجميل الذي عاشه أجدادنا وعاصره آباؤنا ، يثمر بنيانا اسريا قويا ومحافظا على التقاليد الموروثة في مجتمعنا المغربي بتنوع ثقافاته وجغرافيته ونمط عيش سكانه الذي يختلف من جهة الى جهة .

لكن ما نلاحظه اليوم ان هذه الخصائص والسلوكيات اخدت تنمحي ولم يعد لها اترها الفعلي والايجابي على هذا الجيل ، الذي تأثر كثيرا بسلبيات الحضارة الكونية ،وابتعد عن قيم الآباء والأجداد ، حتى ان تلك العلاقات الاجتماعية والمجتمعية أصبحت لا تجد في حياتنا اليوم اهتماما ، لا رغبة في الاخد بها حتى تعود تلك الروابط الاجتماعية جسر يواصل بين حاضرنا وماضينا ، هذا الماضي الذي نتج خليات أسرية متماسكة ومحافظة على القيم الروحية والإسلامية ، الفرد فيها له قيمة اعتبارية مسموع الكلمة ومحترم القرار ، يوجه وينصح ويعلم ويكون ويوعظ ويرشد ، فتؤخذ منه الحكمة ، هذه الكلمة الأخيرة هي الحلقة المفقودة في مجتمعنا الآني ، ولم نعد نسمع لها وقعا ولا تأثيرا ، لأننا نعيش سرعة الحضارة وتطور الوسائل ، وكل منا منزوي في غرفة مظلمة أمام شاشة خرساء الأمن برامجها المفقودة الهوية .

يجب ان نقف لحظة تأمل للماضي حتى ناخد العبر للحاضر ونستشرق المستقبل ، ونعيد القراءة المتأنية لواقع حالنا اليوم الذي بدا يفقد شيئا مهما تبقى له من هذه العلاقات الاجتماعية المبنية على التكافل والتعاضد الاجتماعي ، فأصبحت المؤسسات والجمعيات هي من تحل مكان الأفراد ولكن بطعم وقوانين غير التي بناها الأجداد وأسسوا لها لتصبح ثقافة راسخة أرادوا لها ان تنتقل من جيل الى جيل ، عبر قنوات الأسرة والحي والدوار والقبيلة .

الحسن البوعشراوي